ملا محمد مهدي النراقي

283

انيس المجتهدين في علم الأصول

عند آخر . فقول كلّ واحد من المعدّل والجارح في حقّ من ارتكب هذا الفعل ليس حجّة لمن يريد العمل حتّى يعلم أنّه ما هو ؟ ليظهر له هل هو موجب للجرح عنده ، أم لا ؟ والحقّ : عدم الفرق في ذلك بين التعديل والجرح ؛ لأنّه كما لا يكفي الإطلاق في الجرح باعتبار الاختلاف في أسبابه ، فكذا الحكم في التعديل ؛ لأنّه يتبعه في ذلك ؛ لأنّ العدالة تتوقّف على اجتناب الكبائر مثلا ، فربما لم يكن بعض الذنوب كبائر عند المعدّل ولم يقدح فعلها عنده في العدالة ، فيعدّل مرتكبها وهو فاسق عند الآخر ؛ لكونها كبائر عنده . والفرق بأنّ التعديل بذكر السبب يتوقّف على ذكر جميع أسبابه وهي كثيرة يصعب ذكرها بخلاف الجرح ؛ فإنّه يثبت بسبب واحد ، لا يدفع ما ذكر . [ الأمر ] الثاني : الثقة العالم الورع المطّلع على سرّ اشتراط العدالة واختلاف الناس فيها وفي أسبابها وأسباب الجرح إذا صنّف كتابا في تعديل الرجال وجرحهم لأن يكون مرجعا للعلماء وهداية لهم ، وعرف التعديل ، أو الجرح من سبب لم يكن سببا عند كثير ممّن يرجع إلى كتابه ، وكان عالما بذلك ، ومع ذلك اكتفى فيهما بالإطلاق ، كان مدلّسا ، وهو قادح في عدالته . والجواب : بأنّه قد يبنى الجرح والتعديل على اعتقاده فيما يراه جرحا وتعديلا ، أو بأنّه ربما لم يعرف الخلاف ولم يخطر بباله أصلا ، فلا تدليس ، لا يجري فيما نحن فيه . لأنّ الأوّل إنّما يجوز في مقام الاجتهاد والفتوى لمن يستفتيه ويقلّده ، أو في مقام الشهادة لمن يريد العمل بقوله مع علمه باتّفاقهما فيما يتحقّق به العدالة والجرح ، لا في مقام الشهادة لجمّ غفير من الناس مختلفين فيما يتحقّق به العدالة والجرح ، كما هو شأن علماء الرجال ؛ فإنّ تعديلهم وجرحهم من باب الشهادة ، ويعتقدون أنّ ما ذكروه حجّة لمن يأتي بعدهم من العلماء والمحدّثين ، ويعلمون أنّهم يلتزمون العمل بقولهم مع اختلاف آرائهم في أسباب الجرح والتعديل ، وعدم جواز التقليد لهم ؛ لكونهم من أهل الاجتهاد مكلّفين بما اقتضت آراؤهم في باب التعديل والجرح . فلو زكّوا رجلا أو جرحوه بسبب وقع الخلاف في سببيّته ولم يذكروه ، بل اكتفوا فيهما بالإطلاق ، لزم التدليس إن اعتقدوا حجّيّة قولهم لأهل العلم بالإطلاق ، أو عدم الفائدة في أقوالهم وتصانيفهم إن اعتقدوا عدم حجّيّته ، ولزوم الفحص